حسن الأمين
107
مستدركات أعيان الشيعة
أصحابه ، واقام في زاوية كان الشاه حسين جلاير قد أبقاها ، وكان دخول الشيخ للعاصمة في عام 892 ه . وأخذ وجهاء وأمراء الآق قويونلو يتوافدون عليه التماسا لدعائه ، ثم قدم اليه السلطان بنفسه . وفي اليوم التالي استقبل السلطان الشيخ في بلاطه ودار بينهما بحث جدي ، وكانت رغبة رجال البلاط ان ينصرف الشيخ حيدر نهائيا عن حملاته العسكرية ، وينفى من أردبيل ، والأهم من ذلك كله قطع العلاقات مع خلفائه الذين يمثلون زعماء التجمعات الصفوية في آسيا الصغرى ، وفي غير ذلك يتوقعون حدوث ثورة كبرى . ولكن السلطان يعقوب لم يكن يرغب بأخذ قريبه بمثل هذه الشدة ، فرضي ان يقر له حيدر بالطاعة المطلقة ، وأجبره على القسم على وفائه ، حيث اتي بقرآن وأشرف رجل الدين وقاضي القضاة صفي الدين عيسى على تنفيذ مراسم القسم . وبعد فراغه من هذه المراسم استجاز السلطان في الانصراف وعاد إلى أردبيل مطمئنا . وبعد فترة قصيرة وضعت الأميرة مارتا ابنها الثاني ، وهو إسماعيل الذي أسس فيما بعد الدولة الصفوية . وفي أوائل عام 893 هتوجهت الأميرة خديجة بيگم عمة السلطان يعقوب من أردبيل إلى قم ، التي تعد مزارا للشيعة ، وهناك ذهبت إلى حرم السلطان يعقوب الذي لجا إلى هذه المدينة هربا من تفشي الطاعون ، فاستأذنته في حملة جديدة يقوم بها ابنها حيدر لجهاد الشراكسة . وكان السلطان مطمئنا لقسم ابن عمته ، فكتب إلى فرخ يسار ملك شيروان وهو والد زوجة السلطان ان يساعد حيدرا في جهاده هذا . وما ان دخلت أخت اوزون حسن أردبيل بهذا الحكم ، حتى بادر الشيخ حيدر إلى تحريك جهازه الخبري الذي ورثه عن أجداده ، وكان هذا الجهاز قادرا على تجاوز الصعاب والعقبات ، وإيجاد الارتباط بين مئات الفراسخ دون إشكال وصعوبة تذكر . من هنا أخذ الخلفاء يتوافدون عليه باتباعهم يوما بعد آخر من مناطق طالش الواقعة في ساحل الخزر ، ومن قره باغ في القفقاس . فاجتاز الشيخ حيدر بقواته نهر كسر ، ثم عرج على محمودآباد في سهل ( دشت مغان ) ، فقاوم أهلها غارات القزلباش ، فاسال حيدر من دمائهم نهرا . وفي نفس الوقت بعث رسوله إلى ملك شيروان يعلمه بقدومه لقتال الشراكسة ، ويتمنى عليه ان يبقي طريق ( دربند ) مفتوحا استجابة لامر السلطان يعقوب . وكان الشيخ حيدر ينبغي من إرساله رسولا خاصا الاطلاع على أوضاع شيروان بصورة عامة وقوتها العسكرية بشكل خاص . وحين دخل رسول حيدر شماخي عاصمة شيروان ، كان حاكمها منشغلا بحفل لزواج عدد من أبنائه ، فاستقبل الرسول بحفاوة بالغة وخلع عليه ، وقدم له جوادا وسلاحا ، ثم إعادة إلى الشيخ برفقة أحد أهالي شيروان . وأدرك الشيخ حيدر مما بلغه ان قوات فرخ يسار متفرقة بسبب الهدوء والسلام ، وليس في البلاط سوى نفر قليل من الأمراء ورجال البلاط ، وهكذا يكون الأمر مهيئا لشن الهجوم على شيروان . فعامل ممثل فرخ يسار بشدة وتحقير ، وأمره بإبلاغ أسياده ان الشيخ حيدر قدم إليهم للثار لدم أبيه ، بل إنه حدد التاريخ الدقيق الذي من المقرر ان يصل شماخي فيه . ولما كان رسول شيروان قد عاد راجلا فإنه لم يصل العاصمة الا قبل أيام قليلة من الموعد المقرر ، ومن ثم كانت رسالة الشيخ مدعاة لإثارة الرعب والهلع في نفوس الشيروانيين ، وإذ كانت القوات مسرحة من الخدمة ، فان جرأة الشيخ دفعت الكثيرين للتفكير في الهرب . ولم ير فرخ يسار بدا من حمل أمواله وعياله إلى قلعة گلستان المحكمة التي تقع بالقرب من العاصمة وبقي هو بمن معه من جنود معدودين للدفاع عن أسوار المدينة . وفي اليوم التالي امتلأت السهول المحيطة بشماخي بالصوفيين الصفويين الذين كانوا يرتدون الدروع فوق خرقهم الزرقاء ، ويضعون على رؤوسهم قلنسوات ذات لون أحمر وابيض . وحاول فرخ يسار قطع طريق قلعة گلستان ، ولكن دون جدوى ، إذ اضطره الشيخ حيدر للانكفاء إلى داخل هذه القلعة . وفي ذات الوقت دخل القزلباش شماخي فأحرقوها وأعملوا السيف في أهلها وارتكبوا بحقهم جرائم مفجعة . ثم توجه الشيخ حيدر لمحاصرة قلعة گلستان واستخدم في محاصرتها المدافع والمجانيق وجميع الوسائل الحربية الأخرى ، وفي مثل هذه الحال بعث شاه شيروان ( فرخ يسار ) رسوله إلى السلطان يعقوب يستمده العون فتسلم السلطان الرسالة في گزل درة بالقرب من قم ، وقرر دخول الحرب ضد ابن عمته الشيخ حيدر ، فبعث طلائع جنده على الفور بقيادة ولي آقا ايشيك آقاسي ، الذي توجه بها إلى أردبيل سالكا في ذلك طريق السلطانية ، ثم تبعه السلطان بنفسه على رأس قواته لقتال الشيخ ، والتقت الجموع المحاربة في حدود طرسران بالقرب من قرية درتنت على سفوح جبل ألبرز ( عام 893 ه ) ودارت رحى المعركة ، فأبدى القزلباش شجاعة منقطعة النظير ، وقتلوا عددا كبيرا من الشيروانيين والتركمان ، وبادر الشيخ حيدر إلى ضرب سليمان بيك قائد قوات السلطان يعقوب برمحه فاقتلعه عن سرج جواده دون ان يقتله ، وهو الذي كان معروفا حتى في زمن اوزون حسن بأنه حرب شجاع لا سيما بعد فتحه بدليس في كردستان . وفي خضم المعركة أصاب الشيخ حيدر سهم طائش فارداه صريعا عن صهوة جواده ، فأحاط الصوفيون به في حلقة محكمة ، وحاولوا نقله إلى مكان آمن ولكن مقدمة جيش الاق قويونلو كسرت الطوق المضروب حوله ، وهكذا سقط الشيخ حيدر في أيدي أعدائه ، فبادر بواب السلطان يعقوب إلى قطع رأسه وحمله إلى الأمراء التركمان . ولم يتوقف القزلباش عن القتال رغم مقتل زعيمهم ومرشدهم ، ولكن قتالهم لم يعد قادرا على تغيير اتجاه المعركة . وبعث الأمراء المنتصرون إلى سلطانهم يعلمونه خبرهم ، وأرسلوا له رأس الشيخ حيدر ، فوصله الرأس في شعبان عام 893 ه . ثم عادت القوات إلى العاصمة تبريز . امر السلطان يعقوب في رمضان [ ] 893 من ذلك العام بحمل رأس الشيخ حيدر والطواف به في أزقة تبريز ، ثم علق بصورة مهينة . ولكن شخصا خطفه على حين غرة وأخفاه ، حتى كان عام 907 حين دخل الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية مدينة [ تبيرز ] تبريز فاتحا ، بعد الحاقة الهزيمة بالآققويونلو ، فأخرج هذا الشخص الرأس وسلمه للشاه إسماعيل ، فاجزل الأخير له في العطاء . وقام القزلباش بتغسيل جسد الشيخ حيدر وتكفينه ثم دفنوه في قرية الفنديار من نواحي دهكندي الواقعة في ولاية طبرسران ، وحين شن الشاه إسماعيل حملته الثانية على شيروان بعد ذلك بحوالي اثنين وعشرين سنة ، امر بنبش القبر ، وحمل بقايا الجسد إلى أردبيل ، حيث دفن هناك في مقبرة شامخة لا تزال قائمة إلى الآن . وبعد انتصاره مباشرة أرسل السلطان يعقوب قسما من التركمان إلى